سي فود في برشلونة

برشلونة مدينة تشعرك بالألفة. وقد أحببت جوها الصحو وفاكهتها الرخيصة، رغم أنني لم أحب معمار “جاودي” المنتشر في أماكن كثيرة منها (وبالتأكيد لم أحب معمار “ساجرادا فاميليا”، ولكن هذه قصة أخرى).

بعد التجول لعدة ساعات في منطقة بارسلونيتا، أخرجت هاتفي وبدأت البحث عن مطعم “سي فود” أتناول فيه وجبة العشاء. وجدت ضالتي في تريب أدفايزر في مطعم اسمه La Paradeta، حصل على تقييمات جيدة، وأجمع زائروه على طزاجة المأكولات البحرية فيه.

بعض الصور، وبعض التعليقات، كانت كافية بإقناعي. كالعادة، جوجل مابس يهب لمساعدتي في الوصول إلى المطعم، وهناك كانت المفاجأة.

صفوف طويلة تقف على باب المطعم الذي لم يفتح بعد!

“الموضوع يستاهل أوي كده يعني؟”

اقتربت من الصفوف، فوجدت الناس يقفون في استرخاء ولسان حالهم يقول: “المطعم يستحق الانتظار”. من النادر أن يقبل الناس هكذا على مكان لا يقدم قيمة. لذا، دخلت في الصف ووقفت مع الواقفين في انتظار أن يفتح المطعم أبوابه في تمام الثامنة مساءً.

بعد أن فتح المطعم أبوابه، تضاعف أعداد الواقفين في الطابور، وبعد أن كنت أقف وحيدًا في نهايته، صرت في منتصفه.

رغم فضولي العارم، فإن مكاني في الطابور لم يسمح لي بمعرفة المعروضات ولا أسعارها، وقد زاد هذا من شوقي لتجربة هذا المطعم العجيب.

نصف ساعة أو تزيد، حتى وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام “كل ما لذ وطاب” من مأكولات البحر. قبل أن أنطق بكلمة، وجدت البائعة فائقة التركيز والنشاط تبادرني: “ماذا أجلب لك؟”.

أنا: “4 حبات من الجمبري”

هي: “وماذا أيضًا؟” (وكأنها تعرف أنني لا يمكن أن أكتفي بحبات أربع).

أنا: “حبة كابوريا صخرية”

هي: “وماذا أيضًا؟”

أنا: “حبة استاكوزا”

هي: “وماذا أيضًا؟”

أنا: “شريط من كائنات صدفية لا أعرفها”

هي: “وماذا أيضًا؟”

أنا: “بعض ثمرات من بلح البحر”

هي: “وماذا أيضًا؟”

أنا: “خلاص يا ماما، هي شغلانة” 😀

كنت كلما طلبت شيئًا تزنه المرأة الماهرة بهمة وتدخل بياناته على شاشة كمبيوتر معلقة في السقف بجوارها. اتضح بعد هذا أن هذه الشاشة مرتبطة بالحسابات وبالمطبخ، وفي اللحظة التي تدفع فيها ينتقل الطلب بكفاءة مذهلة إلى المطبخ ويبدأون في تسويته فورًا.

عند دفع الحساب، أعطتني المرأة الأخرى جهازًا طنانًا صغيرًا، وقالت لي: “عندما يرن اذهب إلى المطبخ”.

المحل كبير وبه عشرات الطاولات المنظمة بعناية، فبحثت عن طاولة صغيرة وجلست فوقها وأنا أجهّز نفسي لانتظار طويل حتى يأتي دوري في تناول الطعام.

المفاجأة الثانية أنني لم أنتظر إلا دقائق معدودة حتى وجدت الجهاز الطنان يصرخ. أخذته وذهبت إلى المطبخ فطلب مني فاتورة الدفع. عدت إلى الطاولة وجلبتها، فشطب على طبق البلح البحر والمحار وناولني الطبق.

وقبل أن أنتهى من تناول بلح البحر، وجدت الطنان يطن مرة أخرى، فأخذت الإيصال وذهبت إلى المطبخ لأعود بحبة الكابوريا الصخرية.

“فكرة رائعة”!

أنت لا تنتظر حتى يسوون طعامك كله ثم تأخذه دفعة واحدة، بل تأخذ طبقًا وراء الآخر بمجرد أن ينضج. بهذا الشكل كان المطعم كله يأكل في نفس الوقت.

طبق وراء آخر حتى انتهت قائمة الطعام وأنا في قمة الاستمتاع بالطزاجة والطعم البحري الطبيعي.

في نهاية الوجبة، ذهبت إلى المرأتين وهنأتهما على هذا العمل الرائع والتقطت صورة لهما معي.

منتهى الود والتواضع، رغم النجاح الباهر.

أضف تعليق